تأليف: طاهر بن سعيد بن عبد الرؤوف السيلهيتي تحت رعاية أبي حزم محمد ثاقب شودري حفظه الله

كشف الحقيقة في تجهم أبي حنيفة

قال الإمام المحدث أبو عبد الرحمن عبد الله بن أحمد بن حنبل رضي الله عنه حدثني محمود بن غيلان حدثنا محمد بن سعيد عن أبيه قال: سألت أبا يوسف وهو بجرجان عن أبي حنيفة فقال: وما تصنع به مات جهميا

(كتاب السنة والرد على جهمية ج ١ ص ٢١٢ برقم ٢٥٤ بتحقيق أبي مالك الرياشي)

قال الإمام المحدث أبو بكر الخطيب البغدادي أخبرنا أبو بكر محمد بن عمر بن بكير المقرئ أخبرنا عثمان بن احمد بن سمعان الرزاز حدثنا هيثم بن خلف الدوري حدثنا محمود بن غيلان حدثنا محمد بن سعيد عن أبيه قال كنت مع أمير المؤمنين موسى بجرجان ومعنا أبو يوسف فسألته عن أبي حنيفة فقال وما تصنع به وقد مات جهميا

(تأريخ البغداد ج ١٣ ص ٣٨١)

قال محمد بن سعيد القحطاني: ضعيف (كناب السنة بتحقيق القحطاني ص ١٨١)

قال الشيخ الألباني: ضعيف: (مختصر العلو لْلعلي الغفار ص ١٥٦)

قول بشار عواد: توقف (تأريخ بغداد ج ١٤ ص ٥١٣٥١٤)

قال أبو مالك الرياشي: إسناد ضعيف لكن الأثر حسن (السنة بتحقيق الرياشي ج ١ ص ٢١٢ برقم ٢٥٤)

قال عادل آل حمدان: حسن (السنة بتحقيق آل حمدان ص ١٠٦)

قال الشيخ مقبل: صحيح (نشر الصحيفة في ذكر الصحيح من أقوال الأئمة الجرح والتعديل في أبي حنيفة ص ٣٩٢)

وقال ابن حبان: صحيح (الثقات ج ٧ ص ٦٤٦)

الراوي الأول:

إتفق العلماء السابقة أن الراوي الأول هو محمود بن غيلان العدوي

قال القحطاني: محمود بن غيلان ثقة (السنة بتحقيق القحطاني ص ١٨١، و ١٥٥ برقم ١٤٤)

وقال شيخ مقبل: محمود بن غيلان هو أبو أحمد المروزي ثقة من رجال الشيخين (نشر الصحيفة ص ٣٩٣)

قال ابن حجر: محمود بن غيلان العدوي: ثقة (تقريب التهذيب ص ٩٢٥ برقم ٦٥٥٩ بتحقيق أبي الأشبال رحمه الله)

الراوي الثاني:

هو محمد بن سعيد بن سابق الرازي

صرح بذلك الشيخ مقبل بن هادي الوادعي، وذلك بأنه مذكور من شيوخ محمود بن غيلان كما ذكره المزي (تهذيب الكمال ج ٢٧ ص ٣٠٦)

قال عنه ابن حجر: محمد بن سعيد بن سابق الرازي: ثقة (تقريب التهذيب ص ٨٤٨ برقم ٥٩٤٧)

ذهب القحطاني أنه محمد بن سعيد بن سلم الباهلي وبذلك ضعف السند وقال: لم أقف على ترجمته (السنة ص ١٨١ بتحقيق القحطاني)

وإما الشيخ أبو مالك الرياشي فوافق القحطاني بأنه محمد بن سعيد الباهلي وهو مجهول الحال،إلا وقد ذكره ابن حبان في الثقات لكن ذكره في الثقات لا يلزم قبول خبره إلا إذا وافق الشروط كما ذكرها المعلمي –  راجع سالتنا هذه

الراوي الثالث:

أبوه سعيد بن سابق الرازي وثقه أبو حاتم

قال عبد الرحمن ابن أبي حاتم: سألت أبي عنه فقال: حسن الفهم بالفقه وكان محدثا رفع إلى حكام مسائلا، يسأل عنه الثوري (الجرح والتعديل ج ٤ ص ٣٠)

لكن اختلف القحطاني مع مقبل باسم الراوي الثاني. ظن القحطاني أن محمد بن سعيد هنا هو بن سالم بن قتيبة الباهلي وذلك لأنه اعتمد على قول السهمي وبن شاهين فيه وهو خطأ كما سنبينه

قال السهمي: سعيد بن سلم رجل من أهل قتيبة أخبرنا عبد الله بن عدي الحافظ حدثنا محمد بن جعفر بن يزيد حدثنا محمد بن إسماعيل حدثنا محمود بن غيلان حدثنا محمد بن سعيد بن سلم رجل من ولد قتيبة عن أبيه قال سألت أبا يوسف وهو بجرجان مع موسى عن أبي حنيفة فقال ما تصنع به وقد مات جهمياً.

(تأريخ الجرجان ص ٢١٤)

قال ابن شاهين حدثنا عبد الله بن محمد البغوي حثنا محمود بن غيلان حدثنا محمد بن سعيد بن مسلم يعني اين قتيبة عن أبيه قال: سألت أبا يوسف وهو بجرجان مع موسى عن أبي حنيفة فقال: ما تصنع به مات جهميا

قال بشار عواد محقق تأريخ بغداد ج ١٤ ص ٥١٣:

في إسناده محمد بن سعيد شيخ محمود بن غيلان لم أتبينه، فكثير ممن يسمى هكذا من هذه الطبقة كما في تهذيب الكمال، وجزم الكوثري أنه محمد بن سعيد بن سلم الباهلي، وهو منكر الحديث مضطربه، كما في تعجيل المنفعة ٣٦٤، ولا ادري على أي شيء استند في هذا الجزم فلم يذكر الحافظ ابن حجر أنه روى عن أبيه ولا ذكر محمود بن غيلان من رواة عنه! انتهى قول عواد

قلت: هذا هو الحق المبين، من أراد أن يقول أنه هو الباهلي لا يجد دليل صريح وصحيح، لإن محمد بن سعيد الباهلي ليس من شيوخ محمود بن غيلان، وهو لم يرو عن أبيه، وأبوه لم يكن من طلاب أبي يوسف، حتى اللقاء بينهم غير مثبوت

قال أستاذنا أبو حزم محمد ثاقب شودري: وأما قول السهمي وبن شاهين بأنه من ولد قتيبة فهو قول شاذ ومختلف بالحقيقة، إن أراد أحد أن يدعي أن الشيخ لمحمود بن غيلان في كتاب السنة، والشخص المذكور في تأريخ جرجان شخص واحد، فالراجح يدل أنه ليس الباهلي لأن القول من ولد قتيبة قول مدرج. والسهمي وبن شاهين أخطا في قولهما، ومحمد بن سعيد الباهلي ليس من شيوخ محمود بن غيلان وما ذكر أحد أن أباه لقي أبا يوسف

أما ما روى عبد الله بن أحمد في السنة، فكثير قد اجتهد لينحرف هذا الباب، ففي نسخة هو مذكور كمحمد بن سعيد بن سالم، وفي نسخة بن سلم، ومسلم حتى في أحد بدون اسم الجد ولا نقدر أن نتخذ بقول الكوثري لأنه من غلاة الحنفية الصوفية المبتدعة، فاراد أن يدافع أبا حنيفة من تجهمه وخان الناس بدعوته أنه الباهلي اجتهادا لتضعيف النص. فبذلك يجب علينا أن نبحث من هذا محمد بن سعيد ليس الباهلي

قلت: وأما قول السهمي وبن شاهين فيدل على أمور

الأمرالأول) أنهما أخطأ في اجتهادهما ظنا أنه بن قتيبة وذلك بأن كثيرا من الناس كان يسمى هكذا في هذه الطبقة

ثانيا) قولهما من ولد قتيبة لا يلزم أنه الباهلي، وقد يكون من قبيلة أخر بسبب كثرة وجود الأسماء هكذا

ثالثا) إن كان بن قتيبة حقيقة في تاريخ جرجان فالشخص المذكور هناك والرجل المذكور في السنة وتاريخ بغداد شخصان. ونستدل بهذا بأن شيخ محمود بن غيلان هو محمد بن سعيد بن سابق الرازي لا الباهلي

فعلى هذا، رجح شيخ مقبل بن هادي الوادعي أنه محمد بن سعيد بن سابق الرازي

وذكر المزي أن محمد بن سعيد بن سابق الرازي هو شيخ لمحمود بن غيلان (تهذيب الكمال ج ٢٧ ص ٣٠٦)

فالأثر متصل وصحيح

تنبيه: أما بنسبة قول العلامة الألباني، فذهب الشيخ أن الضعف في سعيد بن مسلم الباهلي، وقد فات عن جهالة ابنه، وذلك لأنه اعتمد على كونهما باهليان، لكن رأينا صحة رواية عن الرازيين.

قال شيخ الألباني: وأما ما روى الخطيب من طريق سعيد بن سلم الباهلي قال: قلنا لأبي يوسف لما لم تحدثناعن أبي حنيفة؟ قال: ما تصنعون به مات يوم مات يقول القران مخلوق

قلت (يعني شيخ الألباني) ففي ثبوته عن أبي يوسف نظر لأن الباهلي هذا لا يعرف بالرواية ولذلك أغفلوه ولم يترجموه في كتب الرجال حتى ابن أبي حاتم لم يذكره في كتابه مع سعته وإحاطته ولعل السبب في ذلك ما أشار إليه الخطيب (٩/٧٤):

(بصري الأصل وكان قد سكن خراسان وولاه السلطان بعض الأعمال بمرو وقدم بغداد وحدث بها فروى عن محمد بن زياد الأعرابي صاحب اللغة وكان عالما بالحديث والعربية إلا أنه كان لا يبذل نفسه للناس)

إنتهى قول الألباني

قال بشار عواد: سعيد بن سالم الباهلي كان من عمال العباسيين ذكر أبو حانم أن محله الصدق (الجرح وتعديل ج ٤ الترجمة ١٢٩)

قال بن أبي حاتم: سعيد بن سالم البصري روى عن ابن عون روى عنه. حدثنا عبد الرحمن قال سمعت أبي يقول أتيته وكان عنده حديث عن ابن عون ومحله الصدق (الجرح وتعديل ج ٤ ص ٣١ الترجمة ١٢٩ بتحقيق المعلمي)

قلت: فبذلك نرى توثيقه

وأما أبو مالك الراشي فذهب بتوثيقه وارتفع صحته بشاهد، وهو ما روى عبد الله بن إحمد:

حدثني إسماعيل بن إسحاق الأزدي القاضي، حدثني نصر بن علي، ثنا الأصمعي، عن سعيد بن سلم قال: قلت لأبي يوسف أكان أبو حنيفة يقول بقول جهم؟ فقال: نعم (السنة ج١ ص ٢١٣)

قال أبو مالك الرياشي: أثر صحيح

قال أبو زرعة في» الضعفاء« (ص٥٧٠): كان أبو حنيفة جهميا، وكان محمد بن الحسن جهميا

وفي» تاريخ بغداد « (٥٧٣/١٥): سمعت نصر بن محمد البغدادي، يقول: سمعت يحيـى بـن معين، يقول: كان محمد بن الحسن كذابا وكان جهميا، وكان أبو حنيفة جهميا ولم يكـن كـذابا

قال آل حمدان: وإسناده صحيح. و(نصر) تصحيف، وصوابه: (مضر) كما في التنكيل (٢٢٠/٢). وسيأتي برقم (٢١٢) نحوه عن أبي جعفر بن سليمان

قال المعلمي في التنكيل (٣١٢/١): قد كان يبلغ علماء دمشق عن أبي حنيفة كلمات يرونها كفرا، وبعضها مسطر في (التأنيب) نفسه، وظاهر أسانيدها الصحة، فلا مـانع أن يبنـواعلى ظاهر ذلك، ومن بنى على الظاهر فأخطأ فهو معذور

(الستة بتحقيق آل حمدان ص ١٠٦-١٠٧)

والله أعلم